أكاذيب واشنطن لحماية الحلم الإسرائيلي وتضليل الرأي العام

بقلم : علا عطية البربري
باحثة دكتوراه
لم تعتمد الحروب الأمريكية على القوة العسكرية وحدها، بل رافقها دائماً خطاب دعائي يصوغ أوهاماً سياسية ويصدر الأكاذيب المغلفة بشعارات الحرية والديمقراطية . فمن غابات فيتنام التي ابتلعت كبرياء واشنطن، إلى شوارع وأزقة بغداد التي دُمرت تحت أكذوبة “أسلحة الدمار الشامل”، وصولاً إلى الانسحابات المهينة من أفغانستان التي تُغلف ببيانات “النصر السياسي”، فيبدو أن التاريخ العسكري للولايات المتحدة يعيد إنتاج نفسه دومًا كآلة قادرة لتصدير الهزائم في قوالب النصر .
كيف تخرج الولايات المتحدة من الهزائم بالأكاذيب المنظمة
بالنظر إلى السجل العسكري الأمريكي، نجد نمطاً متكرراً : الدخول بأوهام ،وشعارات كبيرة مثل “نشر الديمقراطية” أو “مكافحة الإرهاب”، ولكنه ينتهي بالخروج بإتفاقيات غير معلنة وسرية أو انسحاب اضطراري يجري تقديمه للرأي العام باعتباره نجاحًا سياسيًا أو إنجاز استراتيجيًا. فمثلًا في حرب فيتنام، أستمرت الإدارة الأمريكية للترويج لخطابات التقدم العسكري ، بينما كانت الحرب تتحول تدريجيًا إلي عبء سياسيي وعسكري. وقد وجد الجنود الأمريكيون أنفسهم في مواجهة مقاومة وطنية شرسة جعلت استمرار الحرب أمرًا بالغ الكلفة . وفي العراق، تركت واشنطن خلفها بلداً ممزقاً طائفياً بعد أن أدركت أن كلفة البقاء تفوق قدرتها على الاستمرار في إدارة الصراع ، ومع ذلك ، حاول الخطاب السياسي الأمريكي تقديم الانسحاب بوصفه جزءًأ من إعادة ترتيب الاستراتيجية الأمريكية لأدارة الصراع ، لا نتيجة مباشرة لتعقيدات الحرب. الحقيقة الواضحة أن أمريكا لا تنتصر في هذه الحروب بمعناها التقليدي، بل “تنسحب وتدعي النصر” لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية وتجنب الانهيار التام لهيبتها.
وفي السياق نفسه، يمكن قراءة الخطاب السياسي المعاصر في الولايات المتحدة الأن. فالتصرحات أو التغريدات التي تتحدث عن ” الانتصار” فى مواجهة إيران أو تدمير بنيتها التحتية العسكرية لاتعدو فى كثير من الأحيان أن تكون جزءًا من خطاب إعلامي موجه للرأي العام . تخٌدم على السياسات الترامبية الفوضوية بكل الوسائل.
وفى هذا السياق،لابد للتطرق للتحالفات القائمة وتأثيرها في القرار الأمريكي ؛ ولفهم هذا النمط في السلوك السياسي والعسكري الأمريكي لا يكتمل دون النظر إلى طبيعة التحالفات التي توجه قراراته في الشرق الأوسط.
فالمنطقة العربية تمر بمرحلة معقدة ومتداخلة ، حيث لا تتحرك السياسات الإقليمية دائمًا انطلاقًا من واشنطن وحدها. وفي كثير من الأحيان تبدو إسرائيل طرفًا مؤثرًا في تحديد أولويات الأمن الإقليمي وفي توجيه مسارات المواجهة.
ومن هذا المنطلق، فإن الترويج لفكرة “الخطر الإيراني” بوصفه التهديد المركزي للمنطقة لم يكن مجرد صدفة سياسية، بل يمكن فهمه في إطار إعادة ترتيب أولويات الصراع في الشرق الأوسط. لذا نجد أن الترويج لـ “الخطر الإيراني” كعدو أوحد للمنطقة لم يكن صدفة بالطبع ، بل هو استراتيجية تهدف لتبرئة إسرائيل من كونها المحتل التاريخي والعدو الوجودي للمنطقة العربية ، وإحلال إيران محلها في الوجدان العربي لضمان بقاء الكيان الصهيوني كـ “جزء طبيعي” من نسيج المنطقة العربية .
وهنا يثور تساؤل مهم ، وهو هل تترك واشنطن حليفتها ( إسرائيل ) ؟
بالرغم من هذا التوافق بين واشنطن وتل أبيب ، إلا أن “البراغماتية الأمريكية” تعلو دائماً على العاطفة السياسية. فالولايات المتحدة، التي لم تتردد في ترك حلفائها في كابول يواجهون مصيرهم، لن تتردد في نفس الفعل ذاته مع إسرائيل إذا وصلت الخسائر البشرية للجنود الأمريكان ، وتكلفة الحرب إلى “نقطة الخسارة الصفرية”. حين يتحول “الحليف” إلى “عبء استراتيجي” يهدد مصالح أمريكا مع القوى العظمى الصاعدة مثل الصين وروسيا، ( فالهدف الخفى للولايات المتحدة هو احتواء الصين وتقويض صعودها ، مع إضعاف روسيا ) ستمارس واشنطن طبيعتها في الانسحاب المفاجئ معلنه الانتصار وتحقيق أهدافها والتوصل لإتفاق مع إيران ، تاركةً إسرائيل لتواجه مصيرها بدعم دبلوماسي معلن وقوي.
وفى ظل هذه الأحداث ، على دول المنطقة الخروج من تحت “المظلة الأمريكية” التي أثبتت الأيام أنها كاشفة لما تحتها . والسبيل الأمن للمنطقة يكمن في بناء “تحالفات الضرورة والواقعية”، والتي تعتمد على عدة ركائز:
الركيزة الأولي : إدراك أن الصراع العربي-الإيراني، رغم تعقيداته، هو صراع “نفوذ وجوار” يمكن حله بالدبلوماسية أو التوازن العسكري، بخلاف الصراع مع إسرائيل الذي هو صراع “وجود واحتلال”.
والركيزة الثانية: توظيف الموارد العربية (النفط، الغاز، الممرات المائية) كأوراق ضغط سياسية لا كأدوات لخدمة المشاريع الأمريكية.
الركيزة الثالثة : بناء علاقات متوازنة مع الشرق (الصين وروسيا) لخلق توازن يمنع واشنطن من التفرد بالقرار العربي أو استخدامه كوقود لحروبها بالوكالة.
الركيزة الرابعة : إيران ليست دولة لها أطماع توسعية فى المنطقة . بمعنى (إدراك أن الدور الإيراني في المنطقة يقوم أساسًا على توسيع النفوذ الإقليمي عبر التحالفات والشبكات السياسية والعسكرية، وهو نمط يختلف عن مفهوم التوسع التقليدي القائم على الاحتلال المباشر للأراضي، ما يفتح المجال لإدارة هذا الصراع عبر أدوات السياسة والتوازن الإقليمي ).
مجمل القول : إن الرهان على بقاء الولايات المتحدة لحماية إسرائيل ليس إلا رهانًا على وهم. فالعدو الحقيقي ليس فقط من يهددك بالقوة، بل من يسلب إرادتك ويعيد تشكيل وعيك، فيحدد لك من تعادي ومن توالي وفقًا لأهدافه. ومع أن الوجود الأمريكي في المنطقة ليس قدرًا أبديًا، فإن خروجه منها يظل احتمالًا تاريخيًا قائمًا. عندها تتكشف حقيقة أساسية: فإسرائيل كيان وظيفي قد يفقد دوره برحيل راعيه، أو يستمر بقدر ما تسمح به توازنات القوى الإقليمية، بينما تبقى إيران جارًا ثابتًا في الجغرافيا لا يمكن تجاهله. أما العرب، فلم يعد موقعهم مجرد هامش في معادلات القوى، بل باتوا قوة إقليمية وازنة قادرة على التأثير في مسار الأحداث وصياغة توازنات المنطقة بما يعكس مصالحها وسيادتها. وحين يمتلك العرب إرادة الفعل المشترك، يتحول الشأن العربي من ساحة تتقاطع فوقها المصالح الدولية إلى قوة فاعلة قادرة على رسم معادلاتها وفرض حضورها في مستقبل المنطقة.”
