الصين فى عيني.. ورشة عمل كوادر الاحزاب  بمقاطعة فوجيان     ” الجزء الاول”

بقلم / عمرو حافظ

أدركت الصين مبكرًا أن التنمية المستدامة تحتاج إلى أساس صلب يقوم على الأمن والاستقرار. لهذا بدأ الرئيس شي جين بينغ خلال السنوات الأخيرة في وضع سياسات شاملة تعزز تماسك الدولة وتضمن وحدة القوميات المختلفة، إلى جانب حملة كبرى لمكافحة الفساد أعادت الثقة في المؤسسات الحكومية. ومن هذا الأساس انطلقت الصين نحو نموذج جديد من التنمية يقوم على الابتكار والجودة، بدلًا من الاعتماد على الإنتاج التقليدي. وتحوّلت الدولة إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والبحث العلمي، مع استثمارات هائلة في مجالات الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس والطاقة المتجددة.

منذ تولي الرئيس **شي جين بينغ** قيادة الصين، بدأ بتنفيذ رؤية إستراتيجية شاملة تقوم على إعادة بناء الدولة من الداخل وتعزيز مكانتها عالميًا. ركّزت هذه الرؤية على مفهوم “الصين القوية الحديثة”، الذي يجمع بين التنمية الاقتصادية، والتقدم التكنولوجي، والتحول الاجتماعي. لم تكن خطواته رد فعل للظروف، بل جاءت ضمن خطة دقيقة تعتمد على **التخطيط طويل المدى** ووضع أهداف واضحة تمتد حتى عام 2035 و2049، وهي سنوات مفصلية في مشروع “النهضة الصينية العظمى”. هذا التخطيط الاستباقي خلق مسارًا تنمويًا مستقرًا جعل الصين قوة عالمية صاعدة بثقة وثبات.

أحد أهم محاور إصلاحات شي جين بينغ كان **إطلاق حملة واسعة لمكافحة الفساد** داخل الحزب ومؤسسات الدولة. هذه الحملة لم تكن شكلية، بل وصلت إلى أعلى المناصب وأعادت الانضباط السياسي إلى الحزب الشيوعي. نتيجة لذلك، ارتفعت ثقة المواطنين في الحكومة وتعززت قدرة الدولة على تنفيذ مشاريعها دون تعطيل أو إهدار للموارد.

إلى جانب ذلك، عزز شي من مفهوم **الحوكمة الرشيدة** وبناء مؤسسات قوية تُدار بالكفاءة، مما وضع أسسًا صلبة للنهضة الاقتصادية والاجتماعية، وحوّل الصين إلى نموذج عالمي في إدارة الدولة.

قاد الرئيس شي جين بينغ تحولًا جذريًا في الاقتصاد الصيني، من اقتصاد يعتمد على العمالة الرخيصة والصناعة التقليدية إلى اقتصاد قائم على **الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة**.

تحت قيادته، ضخت الصين استثمارات ضخمة في **الذكاء الاصطناعي، والفضاء، والاتصالات، والطاقة المتجددة، والحوسبة الكمومية**، وأطلقت مبادرات كبرى مثل “صنع في الصين 2025”. وقد أسهمت هذه السياسات في جعل البلاد منافسًا رئيسيًا للولايات المتحدة وأوروبا في صناعات المستقبل.

كما أشرف شي على تنفيذ مشروع **القضاء على الفقر المدقع**، الذي تم الإعلان عن نجاحه في عام 2021، ليصبح واحدًا من أكبر الإنجازات الاجتماعية في العصر الحديث، ويؤكد أن النهضة الصينية ليست اقتصادية فقط، بل إنسانية أيضًا.

أتاحت ورشة العمل التي شاركت فيها فرصة مهمة لفهم كيفية إدارة الصين لعملية التنمية. فقد استعرض الخبراء الصينيون تجارب بلادهم في التخطيط الحكومي، وطريقة تنفيذ الخطط الخمسية، وكيفية ربط السياسات الحزبية بالمشروعات الاقتصادية. كما قدمت الورشة رؤية تفصيلية لبرامج التنمية الريفية، التي استطاعت تحويل قرى فقيرة إلى بيئات إنتاج حديثة، وهو ما ساهم في تحقيق إنجاز تاريخي تمثل في القضاء على الفقر المدقع نهاية عام 2020.

تعد مبادرة الحزام والطريق، التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ عام 2013، أحد أكثر المشاريع الجيوسياسية تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين. فهي تهدف إلى ربط الصين بالعالم من خلال شبكات ضخمة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ والممرات التجارية.

تسعى المبادرة إلى تعزيز حركة التجارة وتسهيل انتقال السلع والخدمات، إضافة إلى تشجيع الاستثمارات الدولية من خلال تطوير البنية التحتية في الدول الشريكة. ويتميز المشروع بأنه لا يعتمد فقط على الاقتصاد، بل يمتد ليشمل التعاون الثقافي والتعليمي والإنساني.

تلعب الدول العربية دورًا مركزيًا في مبادرة الحزام والطريق. فالموقع الجغرافي يجعل المنطقة العربية جسرًا طبيعيًا بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. وتعد الصين اليوم أكبر شريك تجاري لمعظم الدول العربية، كما تشهد المنطقة تدفقًا كبيرًا للاستثمارات الصينية في مجالات الطاقة والبنية الأساسية والمناطق الاقتصادية.

في الخليج، تستثمر الصين بقوة في مجالات الطاقة المتجددة والموانئ الذكية. وفي شمال إفريقيا، تدخل في مشروعات صناعية وتعليمية كبيرة، من بينها تطوير المناطق الصناعية وربط الموانئ بشبكات النقل الجديدة.

رغم النجاحات الكبيرة، تواجه المبادرة تحديات ناتجة عن التوترات السياسية في المنطقة العربية، إضافة إلى الفجوات الثقافية والإدارية بين الطرفين. إلا أنّ حجم الفرص يتفوق على حجم التحديات، فالسوق العربية تُعد من أكبر الأسواق الاستراتيجية للصين، كما أن التكنولوجيا الصينية المتقدمة تمنح الدول العربية فرصة لتسريع وتحديث بنيتها الصناعية.

الصين ليست مجرد قوة اقتصادية عملاقة، بل هي نموذج مختلف للتنمية يعتمد على التخطيط الطويل المدى والعمل الجماعي والانسجام بين الدولة والمجتمع. وما شاهدته خلال زيارتي، وما استمعت إليه من الخبراء في ورشة عمل فوجيان، يؤكد أننا أمام تجربة تستحق الدراسة والاقتراب منها.

إن مبادرة الحزام والطريق ليست مشروعًا صينيًا فقط، بل هي منصة دولية يمكن للدول العربية أن تستفيد منها لتعزيز التنمية، وفتح مسارات جديدة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *