انتخابات البلديات الفرنسية.. اختبار مصيري لمستقبل اليمين في أوروبا

يتوجه الناخبون الفرنسيون، غدًا الأحد، إلى صناديق الاقتراع؛ لانتخاب نحو 35 ألف عمدة في مختلف أنحاء البلاد، في انتخابات بلدية تحمل دلالات سياسية تتجاوز طابعها المحلي لتصبح مؤشرًا حاسمًا على مستقبل فرنسا والاتحاد الأوروبي قبل الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027. وحسب تحليل نشرته صحيفة لوموند الفرنسية، فإن السؤال المطروح لم يعد ما إذا كان اليمين المتطرف قادرًا على المنافسة وطنيًا، بل ما إذا كانت القوى السياسية التي منعته تاريخيًا من الوصول للسلطة، عبر ما يُعرف بـ”الجبهة الجمهورية”، لا تزال قائمة أم انهارت بالفعل.

معارك انتخابية حاسمة

رغم أن الانتخابات البلدية نادرًا ما تتنبأ بنتائج الانتخابات الرئاسية؛ بسبب هيمنة الشخصيات والتحالفات والقضايا المحلية، فإن استطلاعات الرأي المبكرة التي تمنح حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف تقدمًا كبيرًا في السباق الرئاسي تضفي أهمية استثنائية غير مسبوقة على اقتراع الغد، وفقًا لـ”لوموند”.

وتبرز عدة سباقات لمنصب العمدة كاختبارات مبكرة لقوة الوسط السياسي الفرنسي المتشظي.

في مدينة لوهافر الساحلية، يواجه العمدة الحالي ورئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب، الذي تعتبره الصحيفة أحد أبرز الشخصيات الوسطية القادرة على تحدي اليمين المتطرف في السباق الرئاسي، منافسة شرسة من تحالف يساري معتدل بقيادة النقابي جان بول لوكوك.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن فيليب قد يخسر في الجولة الثانية رغم تصدره الجولة الأولى، وهو ما سيدمر طموحاته الرئاسية قبل أن تبدأ، علمًا بأن الاستطلاعات الوطنية تمنحه نحو 16% من أصوات الناخبين، وهي نسبة كافية لجعله مرشحًا موحدًا للوسط المنقسم إذا تمكن من تعزيز موقعه.

ساحات غير مسبوقة

تشكِّل ثلاث مدن كبرى على ساحل البحر المتوسط، هي: نيس ومارسيليا وتولون، محطات اختبار حاسمة لقدرة “التجمع الوطني” على ترجمة تقدمه في الاستطلاعات الوطنية إلى فوز فعلي بمناصب عُمد في مدن حضرية كبرى.

وبينما سبق لمدينة تولون أن شهدت انتخاب عمدة ينتمي لليمين المتطرف، فإن سيطرة الحزب على عمودية مارسيليا أو نيس ستكون بمثابة اختراق غير مسبوق في تاريخه السياسي، وفقًا لما ذكرته الصحيفة.

في نيس، إحدى أكبر المدن الفرنسية وأكثرها محافظة، يخوض العمدة الحالي كريستيان إستروزي من تحالف الرئيس إيمانويل ماكرون الوسطي معركة انتخابية مع إريك سيوتي، الرئيس السابق لحزب الجمهوريين الذي انشق عن حزبه للتحالف مع “التجمع الوطني”.

وتصف “لوموند” هذا السباق بأنه معاينة مسبقة للمشكلة المركزية في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهي هل سيحافظ الناخبون المحافظون المعتدلون على موقفهم ضد اليمين المتطرف، أم سينجرفون نحوه في جولة الإعادة الرئاسية.

أحدث استطلاعات الرأي تشير إلى خسارة متوقعة لإستروزي، وهي إشارة مقلقة للمعتدلين، إذ إن استعداد الناخبين الجمهوريين الأثرياء تقليديًا لقبول تحالفات محلية مع “التجمع الوطني”، قد يعني أن المقاومة لرئاسة يمينية متطرفة قد تضعف بشكل كبير على المستوى الوطني.

زلزال سياسي محتمل

تقدم مارسيليا اختبارًا مختلفًا لكنه بنفس الأهمية، إذ يواجه العمدة الاشتراكي بنوا بايان، مرشح “التجمع الوطني” فرانك أليسيو، في سباق متقارب جدًا في الجولة الأولى.

وهنا أيضًا، سيتوقف الحسم على قدرة القوى السياسية المختلفة، من الوسط واليمين التقليدي واليسار، على التوحد خلف مرشح واحد معتدل لإفشال مخطط اليمين المتطرف في السيطرة على المدينة.

وتؤكد “لوموند” أن فوز “التجمع الوطني” في مارسيليا سيمثل زلزالًا سياسيًا حقيقيًا، ليس فقط بسبب حجم المدينة وأهميتها، بل لأنه سيشير بوضوح إلى انهيار “الجبهة الجمهورية”، التحالف الدفاعي غير الرسمي الذي أوصل ماكرون للفوز على زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في انتخابات 2017 و2022.

أما في باريس، فالوضع مختلف، إذ تبقى العاصمة مقاومة لليمين المتشدد، رغم أن الناخبين القوميين هناك يفضلون بشكل متزايد حركة “الاسترداد” لإريك زيمور على “التجمع الوطني”.

والمعركة الرئيسية تدور بين نائب العمدة الاشتراكي إيمانويل جريجوار، ووزيرة الثقافة راشدة داتي من يمين الوسط، مما يعكس منافسة داخل التيار الوسطي التقليدي بدلًا من إعادة تشكيل أيديولوجي.

وس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *