تطهير هرمز.. أوروبا تخشى دفع فاتورة اتفاق ترامب مع إيران

كشفت مجلة “بوليتيكو” الأمريكية، أن الدول الأوروبية تواجه احتمال تحمّل الجزء الأكبر من التكاليف الاقتصادية والأمنية المترتبة على اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل مخاوف متصاعدة من أن واشنطن ستنسحب مجددًا من المشهد تاركة الفاتورة لحلفائها الأوروبيين، وقد نقلت المجلة عن خمسة دبلوماسيين وأوروبيين تفاصيل مداولات داخلية تكشف حجم الإحباط الأوروبي من نمط متكرر يجمع بين قرارات أمريكية أحادية وتبعات تدفع ثمنها القارة العجوز.
ترحيب رسمي وقلق مكتوم
فور الإعلان عن الاتفاق، سارعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى الترحيب به عبر منصات التواصل الاجتماعي، واصفةً إياه بأنه خطوة “ضرورية” نحو خفض التصعيد، إلا أن هذا الارتياح الحذر لم يدم طويلًا، إذ سارع كل من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمسؤولة الأوروبية عن السياسة الخارجية كايا كالاس إلى التوجه فورًا نحو منطقة الشرق الأوسط، في محاولة لتحويل الهدنة المؤقتة المقررة لأسبوعين إلى وقف دائم لإطلاق النار.
وبينما كان ستارمر يُجري محادثات مع قادة خليجيين حول استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، كانت كالاس تلتقي بوزير الخارجية السعودي ورئيس مجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، وفق ما أوردته “بوليتيكو”.
من ساحة حرب إلى عبء مالي
تشير “بوليتيكو” إلى أن القلق الأوروبي يتمحور بشكل رئيسي حول مضيق هرمز، الشريان النفطي الحيوي الذي شهد خلال الحرب تصاعدًا خطيرًا في عمليات زرع الألغام والهجمات على السفن التجارية، إذ كان القادة الأوروبيون قد تعهدوا مسبقًا بالمشاركة في عمليات إعادة فتح المضيق وتطهيره، إلا أن الاتفاق المُعلن فاجأهم بجداول زمنية مُعجلة.
وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن تحالفًا من 15 دولة، من بينها فرنسا، سيتولى تيسير استئناف حركة الملاحة “حين تتوفر الشروط المناسبة”، فيما أكدت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر ، ضرورة التوصل إلى حل سريع، مع إيلاء الأولوية لمسار دبلوماسي بدلاً من الاكتفاء بالمرافقة العسكرية للسفن وإزالة الألغام.
وللتدليل على حجم الكلفة المتوقعة، استحضرت بوليتيكو سابقة عملية “إيرنست ويل” الأمريكية بين عامَي 1987 و1988، التي تكفلت بحماية الناقلات الكويتية من الهجمات الإيرانية، وتُقدَر تكلفتها المعدَلة وفق معدلات التضخم الحالية بأكثر من مليار دولار، وهي فاتورة كانت موزعة آنذاك على عدة دول حليفة.
وزاد الأمر تعقيدًا حين أعلن ترامب أنه يدرس إقامة “مشروع مشترك” مع إيران وعُمان لفرض رسوم عبور على السفن التجارية في المضيق، وهو إجراء لم يكن قائمًا قبل اندلاع الصراع، ما يعني أن السفن الأوروبية ستتحمل أعباءً إضافية لم تكن في الحسبان.
الجرح الاقتصادي الأعمق
لا تقتصر التداعيات على الجانب الأمني، فحتى في حال صمود وقف إطلاق النار، حذر المسؤولون من أن فواتير الطاقة الأوروبية ستبقى مرتفعة لأسابيع أو أشهر مقبلة جراء الاضطرابات التي أحدثتها الحرب في أسواق النفط والغاز.
وأبدى المتحدث باسم الحكومة الفرنسية تحفظًا صريحًا تجاه أي تفاؤل مبكر بشأن انخفاض أسعار الوقود للمستهلكين، مشيرًا إلى أن الإعلانات عن تخفيض الأسعار لا تنعكس دائمًا على المستهلك النهائي.
نمط متكرر يُثير غضب أوروبا
يصف عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الاشتراكي الإسباني ناتشو سانشيز ما يجري بأنه “نمط متكرر” تجد فيه أوروبا نفسها دائمًا في موقع من يدفع الثمن، ففي غزة ستتكفل بتمويل إعادة الإعمار، وفي أوكرانيا تمول الحرب بشكل شبه منفرد في هذه المرحلة، والآن قد تُكلَف بتطهير مضيق هرمز.
ويرى سانشيز، وفق “بوليتيكو”، أن هذا الواقع يتناقض جذريًا مع المبادئ التأسيسية لحلف الناتو القائم على المعاملة بالمثل والولاء المتبادل بين أعضائه.
وفي السياق ذاته، قال أحد الدبلوماسيين الأوروبيين المطلعين على المداولات الداخلية لبوليتيكو إن القارة لا تمتلك “القوة الصلبة” الكافية لفرض إرادتها على الساحة الدولية، ما يجعلها رهينة التفاوض والمناورة للتخفيف من تداعيات القرارات التي تتخذها قوى كبرى أخرى.
وأضاف الدبلوماسي ذاته أن التعهد الأوروبي بتطهير المضيق “ليس شيكًا على بياض”، مؤكدًا أن المشاركة مشروطة بتوفر الظروف الملائمة.
