العلاقات العربية الصينية.. نبض الحضارات و جسر المستقبل



بقلم/ عمرو حافظ
على الرغم من الاختلاف الكبير بين الثقافتين العربية والصينية، هناك قواسم مشتركة بين منظومة الأخلاق والقيم في الثقافتين، فقيم أخلاقية مثل بر الوالدين واحترام وتوقير الكبير، والتكافل الاجتماعي وحسن الجوار الخ، قيم أصيلة في الثقافتين.
كما ان عدم وجود تاريخ من الصراع بين الجانبين جعلت الوجدان الصيني والعربي لا يحمل للآخر ذكريات مريرة، بل على العكس، ظلت الصورة النمطية للعربي في الصين مجسدة بشخصية “العم العربي” وفقا لمحتويات الكتب المدرسية الصينية حتى وقت قريب. وظلت صورة الصيني في ذهن العربي ترمز للجد والاجتهاد والمهارة.
الجذور التاريخية والأثر الحضاري

لم يكن طريق الحرير مجرد ممر للتجارة العابرة، بل كان شرياناً حضارياً استطاع أن يرسم لنفسه مسارات تضرب في أعماق التاريخ، متجاوزاً الحدود الجغرافية للعالم القديم ليصيغ صورة مُشرقة للتعاون البشري. إن إحياء هذا الطريق اليوم يفرض علينا الإبحار في رحلة تعود أصولها إلى ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، حين أذهل الصينيون العالم باكتشاف “الحرير” وحياكته، مما جعل الشعوب تتهافت على مقايضته بالذهب والأحجار الكريمة، لتبدأ منذ القرن الخامس قبل الميلاد ملامح شبكة طرق منظمة تربط أقصى الشرق بأواسط آسيا، وصولاً إلى قلب العالم العربي وأوروبا.
أصل التسمية والمسارات الجغرافية
وعلى الرغم من قدم الطريق، إلا أن مصطلح “طريق الحرير” يعد حديث العهد؛ حيث أطلقه الجغرافي الألماني “فرديناند فون ريتشهوفن” عام 1877م، تخليداً لأهم سلعة ربطت بين الصين والقارات الثلاث. وقد انقسم الطريق تاريخياً إلى مسارين رئيسيين:
المسار البري: الذي تحدى قسوة الصحاري والجبال، عابراً واحات “كاشغر” و”سمرقند”، ليتفرع نحو بلاد الرافدين والبادية السورية وصولاً إلى موانئ البحر المتوسط.
المسار البحري: الذي نشأ كبديل استراتيجي في أوقات الاضطرابات، ليربط الموانئ الصينية بخليج البنغال وبحر العرب، وصولاً إلى الخليج العربي وموانئ الجزيرة العربية، مما خلق تكاملاً فريداً بين البر والبحر.
الأبعاد المتعددة للأهمية الاستراتيجية
تتجاوز أهمية هذا الطريق الجانب الاقتصادي القائم على تبادل البخور والمسك العربي بالحرير والخزف الصيني، لتصل إلى آفاق أعمق:
البعد الثقافي: كان الطريق جسراً لانتقال الأفكار؛ فمن خلاله سطع نور الإسلام في الصين عبر التجارة، حيث كانت مدينة “شي آن” (بداية الطريق) أول محطة لاستقبال التجار المسلمين الذين قدموا نموذجاً أخلاقياً أدى لانتشار الإسلام وتعايشه السلمي مع الاديان الاخرى
التبادل المعرفي: بفضل هذا الطريق، عرف العالم تقنيات صناعة الورق والطباعة، مما أحدث ثورة ثقافية عالمية غيرت مجرى التاريخ الإنساني.
الحاضر المزهر: مبادرة “الحزام والطريق”
وفي العصر الحديث، وتحديداً في عام 2013، أعادت الصين إحياء هذا الإرث تحت مسمى “مبادرة الحزام والطريق” (طريق الحرير الجديد). وهي رؤية استراتيجية طموحة تهدف لربط أكثر من 68 دولة يمثلون 65% من سكان العالم. وباستثمارات ضخمة تتجاوز تريليونات الدولارات، تسعى بكين لتحويل هذا الطريق إلى “طريق للسلام ولم الشمل”، عبر بناء شبكات من السكك الحديدية، والموانئ الذكية، وأنابيب الطاقة، مما يضع المنطقة العربية في قلب هذا النظام العالمي الجديد كحلقة وصل لا يمكن الاستغناء عنها.
ا
العلاقات الصينية- العربية في ستين عاماً

بحلول الثلاثين من مايو 2016، يكون قد مر على بداية العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية والدول العربية ستون عاما. مصر هي أول دولة عربية أنشأت العلاقات الدبلوماسية مع الصين الجديدة (مايو 1956)، والسعودية هي آخر دولة عربية أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين (يوليو 1990). وما بين مصر والسعودية، جاء ترتيب إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية، على النحو التالي: سوريا والعراق (أغسطس 1956)، اليمن (سبتمبر 1956)، المغرب (نوفمبر 1958)، الجزائر (ديسمبر 1958)، السودان (فبراير 1959)، الصومال (ديسمبر 1960)، تونس (يناير 1964)، موريتانيا (يوليو 1965)، جيبوتي (يناير 1971)، الكويت (مارس 1971)، لبنان (نوفمبر 1971)، الأردن (إبريل1977)، ليبيا (إبريل 1978)، عُمان (مايو 1978)، الإمارات (نوفمبر1984)، قطر (يوليو 1988)، البحرين (إبريل 1989)، فلسطين (نوفمبر 1988)، وجدير بالذكر هنا أن الصين هي أول دولة غير عربية اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني وفتحت مكتبا للمنظمة في بكين ومنحته الحصانة الدبلوماسية الممنوحة للسفارات الأجنبية، وأول دولة غير عربية وجهت دعوة لرئيس المنظمة الأسبق أحمد الشقيري، الذي قام بزيارة رسمية إلى الصين في مارس 1965، بعد أن زارها القائد العام لحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” آنذاك، ياسر عرفات بدعوة من الحزب الشيوعي الصيني في مارس عام 1964.
قد يكون من المهم أن ننوه إلى أن ما ذكرناه أعلاه هو تواريخ تبادل التمثيل الدبلوماسي على مستوى السفراء بين جمهورية الصين الشعبية، التي تأسست سنة 1949، وبين الدول العربية التي نال معظمها الاستقلال السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين، وليس عن العلاقات بمعناها الشامل والتاريخي. ذلك أن علاقة الصينيين مع العرب ممتدة منذ آلاف السنين.

وبشكل عام، يمكن رصد عدد من العوامل المحددة للعلاقات الصينية- العربية، وهي:
أولا: أن الصين في الذاكرة العربية منذ زمن بعيد مثال للخير والمحبة والفكر، ومقولة “اطلبوا العلم ولو في الصين”، تعبر عن حضور الصين في الذاكرة العربية، وهو حضور مقرون بصورة لبلد فيه علم وصناعة وثقافة وله تاريخ عريق. وقد استمر هذا الحضور عبر العصور مدعوما بما كان يربط الجانبين الصيني والعربي من طرق تجارية برية وبحرية قديما، وما ربط بينهما من دعم ومساندة متبادلة في فترة التحرر الوطني في العصر الحديث بعد أن عانى كل منهما من الاستعمار والإمبريالية.
ثانيا: أن حقيقة عدم وجود تاريخ من الصراع بين الجانبين جعلت وجدان الصيني والعربي لا يحمل للآخر ذكريات مريرة، بل على العكس، ظلت الصورة النمطية للعربي في الصين مجسدة بشخصية “العم العربي” وفقا لمحتويات الكتب المدرسية الصينية حتى وقت قريب. وظلت صورة الصيني في ذهن العربي ترمز للجد والاجتهاد والمهارة.
ثالثا، أنه على الرغم من الاختلاف الكبير بين الثقافتين العربية والصينية، هناك قواسم مشتركة بين منظومة الأخلاق والقيم في الثقافتين، فقيم أخلاقية مثل بر الوالدين واحترام وتوقير الكبير، والتكافل الاجتماعي وحسن الجوار الخ، قيم أصيلة في الثقافتين.
رابعا، أن حقيقة تعرض الجانبين العربي والصيني لمعاناة متشابهة من طرف ثالث مشترك هو الغرب، جعل التقارب بينهما له أسباب عاطفية وتاريخية، وقد انعكس ذلك في الدعم العربي للصين في المحافل الدولية في مواجهة الغرب، مثل دعم العرب للصين لاستعادة مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة، ودعم الصين للدول العربية في قضاياها العادلة وخاصة في القضية الفلسطينية.
خامسا، أن سياسات القوى الكبرى الأخرى المعادية للعرب، والتوجهات المعادية للإسلام في الغرب تجعل العرب يبحثون- على المستوى النفسي- عن حليف دولي خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ويأملون أن تصعد قوة دولية تواجه الغرب، أو على الأقل توازنه. وهنا تبرز الصين كقوة دولية يمكن أن حقق هذا التوازن في العلاقات الدولية.
خلال مسيرة الستين عاما الماضية، شهدت العلاقات الصينية- العربية تطورات ملحوظة ، تماشيا مع التطور الاقتصادي الذي شهدته الصين خلال الأربعين عاما الماضية وارتفاع القوة الشاملة لها وصعود مكانتها في السياسة الدولية خلال السنوات الأخيرة.
وقد تجسد الخط العام للعلاقات الصينية- العربية خلال العقود الستة الماضية في التوافق العام حول قضايا العلاقات الدولية، بما في ذلك قضايا حقوق الإنسان والتنمية وإصلاح الأمم المتحدة والنظام الاقتصادي العالمي، من دون انخراط أي من الطرفين بشكل مباشر ومؤثر في قضايا تدخل في دائرة الاهتمام الاستراتيجي لأي منهما.
غير أن هذا النمط التقليدي في العلاقات الصينية- العربية، شهد في السنوات الأخيرة بعض التطورات التي قد تكون توطئة لعلاقات أكثر تعمقا وتشعبا بين الجانبين؛ ففي عام 2004، تأسس منتدى التعاون الصيني- العربي كإطار للتعاون الجماعي والمتعدد المجالات بين الجانبين، وأقامت الصين علاقات شراكة استراتيجية مع ثماني دول عربية، وآلية للحوار الاستراتيجي مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول عربية أخرى. وحاليا، الدول العربية هي أكبر مصدر للنفط الخام إلى الصين وسابع أكبر شريك تجاري لها.

وخلال زيارة الرئيس شي جين بينغ لمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة في يناير 2016، أعلن عن أول وثيقة خاصة بسياسة الصين تجاه الدول العربية، والتي تناولت مختلف جوانب العلاقات بين الجانبين وأكدت على التزام الصين بتطوير علاقاتها مع الدول العربية على أساس خمسة مبادئ، هي: الاحترام المتبادل للسيادة ووحدة الأراضي، عدم الاعتداء، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، المساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. فضلا عن إعادة التأكيد على موقف الصين الداعم لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
إن العلاقات الصينية- العربية ستواصل تطورها في المستقبل المنظور، وخاصة في الجانب الاقتصادي والثقافي والتعليمي، ولكنه و لتعزيز هذه الجوانب و الارقاء بها حتى تحقق الامال المنشودة يحتاج إلى مثابرة وجهود جبارة، من خلال توظيف آليات متنوعة أهمها العمل الثقافي بمختلف أشكاله، والتواصل الجماهيري المباشر، لتصبح الشراكة الاستراتيجية الشاملة الصينية- العربية واقعاً يشعر به المواطن العادي من الجانبين. لابد أن تتبنى مؤسسات رسمية وبحثية وإعلامية صينية وعربية مشروعاً يحدد آليات من شأنها ولابد من تعزيز حركة الترجمة بين اللغتين الصينية والعربية، والأهم من ذلك هو خلق حالة من الزخم الشعبي الصيني والعربي لدفع الجانبين لمعرفة بعضهما البعض. هذه الجهود ليست مسؤولية طرف واحد وإنما مسؤولية الجانبين لأنها في النهاية تحقق مصالح الشعبين الصيني والعربي.
إن الرصيد الكبير الذي تراكم للعلاقات الصينية- العربية خلال الستين عاماً الماضية يمكن أن يكون قاعدة انطلاق لعلاقات صينية- عربية أكثرة قوة وتنوعا في المستقبل، خاصة وأن الجانبين يؤمنان بأن “السلام والتنمية” هما تيار العصر، وأن حجم المصالح المشتركة بينهما يتنامى بشكل كبير.