قراءات في التوجهات الشعبوية للولايات المتحدة وإسرائيل في الوقت الراهن …”هل تنهي المصالح الإقليمية عصر التبعية للقطب الواحد؟”

بقلم / علا عطية البربري


مقدمة

لا تزال المنطقة العربية، رغم ثقلها الجيوسياسي، تُمثّل في كثير من الأحيان مسرحاً لسياسات القوى الكبرى، حيث تكتفي الفواعل المحلية في الغالب بدور “رد الفعل” بدلاً من صناعة “الفعل”. إلا أن الصراع الإقليمي الراهن يحمل في طياته بذور تحول جذري قد يعيد صياغة معادلة التبعية بين النسق الإقليمي والنسق الدولي. ففي سابقة استراتيجية، نجحت إسرائيل -كقوة إقليمية- في زج الولايات المتحدة الأمريكية -القوة الدولية الأعظم- في أتون صراعها المباشر مع إيران، ليس فقط لخدمة أهداف أمنية آنية، بل لتغيير مفهوم تبعية الإقليم للمركز الدولي، مما وضع واشنطن أمام مأزق حقيقي تتعدد مستوياته.


على المستوى الداخلي الأمريكي، تواجه السلطة التنفيذية (في ظل توجهات ترامب الشعبوية) هجوماً متصاعداً يتبنى تساؤلاً جوهرياً: “من أولاً.. أمريكا أم إسرائيل؟” ، وهو تساؤل يضرب في صميم العقيدة السياسية الخارجية التقليدية. أما على المستوى الدولي، فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة مع الأعراف والقوانين الدولية والاتفاقات التي كانت هي ضامنتها الأولى. وبالانتقال إلى المستوى الإقليمي العربي، تآكلت صورة الردع الأمريكي مع تزايد التساؤلات حول قدرة واشنطن على حماية حلفائها وقواعدها العسكرية في ظل انخراطها الكلي في الأجندة الإسرائيلية.
وهنا يثور تساؤل محوري يشكل جوهر هذه القراءة: ما الهدف الحقيقي من “توحد التوجهات الشعبوية” بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو؟ حيث تتلاقى شعبوية ‘ترامب ونتنياهو’ في نزعتهما المشتركة لتجاوز الأطر المؤسسية والاتفاقات الدولية التقليدية، وتغليب منطق ‘الصفقات الآنية’ و’الجمهور الانتخابي’ على حساب الاستراتيجيات بعيدة المدى، مما جعل السياسة الخارجية للدولتين أداةً لخدمة البقاء السياسي الداخلي بدلاً من الاستقرار العالمي.) إن الإجابة تتجاوز مجرد التنسيق السياسي لتصل إلى محاولة “نتنياهو” فرض واقع إقليمي جديد يعيد تشكيل المنطقة العربية ويحقق مشروع التوسع الإسرائيلي القديم/الجديد، مستغلاً في ذلك الزخم الشعبوي العابر للحدود، وهو ما يضع المنطقة والعالم أمام منعطف تاريخي قد ينهي حقبة ويبدأ أخرى تكون فيها “التبعية” هي المتغير الأكثر اضطراباً.


فالفراغ الذي تركه “الانكفاء الروسي” الاضطراري نحو الأزمة الأوكرانية، والحذر الصيني القائم على “الدبلوماسية الاقتصادية” الهادئة، جعل من المصالح القومية لدول المنطقة المحرك الأساسي لإعادة التموضع.
ولفهم هذه الأحداث لابد من تجاوز القراءة السطحية للأحداث إلي تحليلٍ نسقيٍّ متكامل؛ لذا، سنتناول هذه الأحداث باستعراض مجموعة من المحاور الاستراتيجية التي تشكل النقاط الجوهرية لرؤيتنا، إن الهدف ليس مجرد رصد الواقع، بل قراءة “الاتجاهات الكبرى ” التي ستعيد رسم الخارطة الجيوسياسية والاقتصادية للمنطقة ، لنحدد من خلالها الفرص الكامنة والتحديات المتوقعة، مما يمهد الطريق لرسم سيناريوهات استباقية لمستقبل المنطقة العربية .

سنبدأ بالمحور الجيو-اقتصادي لاستكشاف كيف تحول الاقتصاد من أداة للتبعية إلى أداة للتحرر السيادي، ثم ننتقل للمحور الجيوبوليتيكي لرصد إعادة هيكلة النسق الإقليمي في ظل الفراغات الدولية الراهنة. وختاماً، سنضع هذه المعطيات في سياق استشرافي يرسم سيناريوهات المنطقة بين الهيمنة و التوازن القومي، محاولين الإجابة على السؤال الأهم: كيف يمكن للمنطقة أن تتحول من ” مسرح للصراع ” إلى ” فاعل استراتيجي” يفرض شروطه على الخارطة الدولية الجديدة؟


المحور الأول: الجيو-اقتصادي (الاقتصاد كأداة للتحرر من التبعية)
في ظل التوجهات الشعبوية لـ “ترامب ونتنياهو” التي تسعى لفرض “سلام اقتصادي” مركزه إسرائيل، لم تعد دول المنطقة تكتفي بدور المستهلك، بل انتقلت لمرحلة “السيادة اللوجستية”. ويمكن قراءة هذا التحول عبر ثلاث ركائز استراتيجية:
أولًا: تعدد الشركاء وكسر الاحتكار التكنولوجي: لم يعد “الحليف الأمريكي” هو المصدر الوحيد للتنمية. فالتوجه نحو الصين (عبر مبادرة الحزام والطريق) ، وروسيا (في قطاعات الطاقة والنووي السلمي) يمثل خروجاً عن “التبعية ” الاقتصادية الغربي. هذا التعدد يمنح دول المنطقة قدرة على التفاوض من موقف القوة، وتحويل التبعية من “مسار إجباري” إلى “خيار استراتيجي” مبني على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة.
ثانيًا: الصراع على الممرات (الجغرافيا السياسية للمال): إن الصراع الراهن هو صراع على “قلب العالم اللوجستي”. فبينما تحاول إسرائيل الترويج لـ “ممر الهند-أوروبا” (IMEC) ليكون بديلاً يربط الشرق بالغرب عبر موانئها، نجد تحركات إقليمية مضادة تهدف لتعزيز الاستقلالية. كطريق التنمية (العراق-تركيا): الذي يمثل شريان حياة يربط الخليج بأوروبا بعيداً عن الهيمنة الإسرائيلية. والممرات السعودية البديلة: وسعي الرياض لتكون مركزاً لوجستياً عالمياً يربط القارات الثلاث، مما يجعلها “الرقم الأقوى” في أي معادلة تجارية دولية.
ثالثًا : الاكتفاء السيادي وسلاسل الإمداد: فقد أدركت دول المنطقة العربية ، خاصة بعد أزمات الطاقة والغذاء العالمية؛ فالمصالح الدولية تتبدل والضمانات تتبخر وقت الأزمات الحادة. ولاسيما في ظل خروج روسيا من سوريا وليبيا جزئياً بسبب حرب أوكرانيا، دفع دول المنطقة العربية لإدراك إن التعويل على القوى الكبرى مغامرةٌ غير مأمونة العواقب، لذا، نرى تحولاً نحو “تأمين المنافذ” (مثل البحر الأحمر وباب المندب) والسيطرة على سلاسل الإمداد، لضمان ألا يتم استخدام أدوات التبعية ( الخبز والدواء والسلاح والتكنولوجيا) كأدوات ابتزاز سياسي من قبل القوى العظمى.
المحور الثاني: الجيوبوليتيك (إعادة هيكلة النسق الإقليمي)


هذا المحور يفسر كيف تحولت المنطقة من ساحة صراع للقوى الكبرى إلى ساحة تقرر فيها القوى الإقليمية مصيرها: فتراجع “الدور الوظيفي” لإسرائيل من خلال إصرار نتنياهو إثبات أن إسرائيل لا تزال “شرطي المنطقة” والوكيل الوحيد لأمريكا. لكن، في المقابل، فإن قدرة دول المنطقة على إدارة ملفاتها (مثل المصالحة السعودية الإيرانية بوساطة صينية) أثبتت أن النسق الإقليمي بدأ ينفصل عن الرغبة الأمريكية.
ونضيف نقطة أخرى مهمة وهى سياسة “المصلحة أولاً”: مع انشغال روسيا، وجدت تركيا وإيران والسعودية أن الصدام المباشر يستنزف مواردها لصالح أطراف خارجية؛ لذا برزت “البراجماتية القومية” التي تقدم المصالح الوطنية على التحالفات الأيديولوجية القديمة. و بناءً على ماسبق، يمكننا صياغة هذين السيناريوهين:

السيناريوهات المستقبلية للمنطقة العربية والإقليم.


السيناريو الأول: “الشرق الأوسط الجديد” (القيادة الإسرائيلية والوصاية الشعبوية)
وهذا السيناريو لا أرغب فيه كباحثة ؛ نجاح تحالف (ترامب-نتنياهو) في فرض واقع عسكري يفكك جبهات المقاومة، ويجبر الدول العربية على انخراط اقتصادي كامل مع إسرائيل بذريعة “الحماية من الخطر الإيراني”.
فتكون النتيجة تحول إسرائيل إلى “المركز” السياسي والاقتصادي، وتكريس تبعية المنطقة للولايات المتحدة بأسلوب شعبوي (ابتزاز مالي مقابل الحماية)، مع تهميش كامل للقضية الفلسطينية.
بينما السيناريو الثاني: “محور التوازن الإقليمي” (السعودية – تركيا – إيران)
وهو السيناريو الذي تفترضه رؤيتي حول “المصالح القومية”. يقوم على تقارب (سعودي – تركي – إيراني) برعاية صينية محكمة . هذا المحور يدرك أن استمرار الصراع بين القوى الأقليمية في المنطقة يفتح الباب للتوسع الإسرائيلي.
فتسعى القوى الإقليمية لإنشاء “نظام أمن إقليمي مشترك” يقلل الحاجة للقواعد الأمريكية، ويعوض الغياب الروسي، ويستثمر في “الحياد الإيجابي” تجاه الصراع الأمريكي-الصيني.
وتظهر المنطقة كـ “قطب دولي ثالث” يمتلك الطاقة والممرات والمال. في هذا السيناريو، تتقزم طموحات إسرائيل التوسعية وتجبر على العودة إلى حدودها، لأن “الفعل” الإقليمي أصبح في يد عواصم المنطقة (الرياض، أنقرة، طهران) وليس في واشنطن أو تل أبيب.
ومن وجهة نظري ؛ إن صراع “التبعية” بين النسق الإقليمي والدولي سيحسمه الطرف الذي يستطيع تحويل “المصلحة القومية” إلى “فعل استراتيجي”. فإذا نجحت القوى الإقليمية في تجاوز فخاخ “الشعبوية الأمريكية-الإسرائيلية” وبناء كتلة مصالح مشتركة مع الصين، فإننا بصدد ولادة “نظام إقليمي عربي جديد” ينهي قروناً من التبعية للخارج.
مجمل القول : إن المنطقة العربية والإقليم يمران بمرحلة “مخاض سياسي” لم يشهدها منذ اتفاقيات سايكس بيكو. إن محاولة تحالف (نتنياهو-ترامب) توظيف الأدوات الشعبوية لفرض تبعية مطلقة للنسق الإقليمي لصالح المركز الدولي (واشنطن) والوكيل الإقليمي (تل أبيب)، تواجه اليوم جداراً صلباً من “الواقعية القومية” لباقي أقطاب المنطقة.
ويمكن تلخيص النتائج النهائية في النقاط التالية:

 نهاية “الوكيل الواحد”: لم يعد بإمكان إسرائيل أن تكون الوكيل الوحيد للمصالح الدولية؛ فخروج روسيا “المؤقت” ودخول الصين “الهادئ” منح دول المنطقة (السعودية، تركيا، إيران) هامش مناورة كبيراً لاستثمار مصالحها القومية بعيداً عن الإملاءات الأمريكية.
 ارتباط الاقتصاد بالأمن: نجاح أي مشروع لـ “شرق أوسط جديد” لن يمر عبر البوابة الإسرائيلية قسراً، بل سيمر عبر قدرة دول المنطقة على حماية ممراتها التجارية وطرق الطاقة الخاصة بها، وهو ما يعزز فرص المنطقة العربية .

 فخ الشعبوية: إن المأزق الذي وضعت فيه إسرائيل الولايات المتحدة قد يؤدي في النهاية إلى “انكفاء أمريكي داخلي ( أمريكا أولًا)، وهو ما سيترك إسرائيل وحدها في مواجهة تكتلات إقليمية صاعدة، مما قد يضطرها مستقبلاً للانصياع لشروط الإقليم بدلاً من فرض شروطها عليه.
وأخيرًا : إن مستقبل المنطقة العربية لا يتوقف على ما تخطط له القوى الكبرى فحسب، بل على قدرة العواصم المركزية في المنطقة على تحويل “رد الفعل” إلى “فعل استراتيجي” يستثمر في التعددية القطبية الدولية لجذب الصين وتوظيف الفراغ الروسي، وبناء كتلة إقليمية صلبة تمنع تحويل المنطقة إلى مجرد سوق أو ممر للمشروع الصهيوني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *