90 مليار يورو لأوكرانيا.. صفقة أوروبية تفتح الباب أمام الصناعة الدفاعية البريطانية

صادق الاتحاد الأوروبي على حزمة مساعدات مالية ضخمة لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، في خطوة تحمل بعدًا إستراتيجيًا جديدًا قد يعيد تشكيل العلاقات الدفاعية بين بروكسل ولندن.

وتتيح هذه الصفقة، التي كشفت عنها صحيفة “ذا جارديان”، للشركات البريطانية فرصة الاستفادة من عقود تزويد المعدات العسكرية لكييف، مقابل مساهمة مالية عادلة في تكاليف الاقتراض، وذلك في وقت حرج تواجه فيه أوكرانيا شتاءً قاسيًا وهجمات روسية مدمرة على بنيتها التحتية.

شريان حياة لكييف ونافذة لبريطانيا

أقر كبار الدبلوماسيين الأوروبيين القرض الذي طال انتظاره أمس الأربعاء، حسبما أوردت “ذا جارديان”، مشيرة إلى أن الاتفاق يتضمن بندًا مستحدثًا يسمح للمملكة المتحدة بالمشاركة في هذه الحزمة.

يأتي هذا الدعم المالي كطوق نجاة لأوكرانيا التي تكابد منذ أشهر هجمات روسية شرسة دمرت أنظمة الطاقة والتدفئة، تاركة ملايين المواطنين في ظلام دامس وبرد قارس.

يهدف القرض لسد فجوة تمويلية خطيرة في عامي 2026 و2027، إذ تواجه كييف خطر نضوب الموارد المالية اللازمة لتمويل دفاعها ودفع رواتب الموظفين والمعاشات التقاعدية.

وبحسب الصحيفة، سيتم تمويل القرض عبر الاقتراض من أسواق رأس المال الدولية، مضمونًا بأموال غير مستخدمة في ميزانية الاتحاد الأوروبي.

تقضي الخطة بتخصيص 60 مليار يورو للإنفاق الدفاعي، بينما توجه 30 مليار يورو لدعم الميزانية العامة الأوكرانية.

وأشارت تقديرات بروكسل إلى أن هذا المبلغ يغطي ثلثي احتياجات أوكرانيا التمويلية، فيما يُتوقع أن يسد “الشركاء الدوليون” الفجوة المتبقية.

شروط الشراء وفرص الشركات البريطانية

كشفت الصحيفة البريطانية أن الاتحاد الأوروبي اشترط على أوكرانيا شراء المعدات العسكرية من مورديها المحليين أو من دول الاتحاد أو الدول المرتبطة به ارتباطًا وثيقًا كالنرويج، في إطار ما يُعرف بـ”الأفضلية الأوروبية”، إلا أنه إذا تعذر توفير معدات حيوية من هذه المصادر، يمكن لكييف الحصول على موافقة بروكسل للشراء من دول أخرى، بما فيها الولايات المتحدة، كمنظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية “باتريوت” على سبيل المثال.

النسخة المحدَّثة من الاقتراح، التي أُقرت الأربعاء، تضمنت بندين جديدين يمنحان كييف مرونة أكبر للشراء من دول غير أعضاء في الاتحاد، ولكنها وقعت اتفاقيات أمنية معه.

أحد هذين البندين موجه خصيصًا للمملكة المتحدة، إذ يُسمح لأوكرانيا بشراء معدات عسكرية من دولة تلتزم بـ”تقديم مساهمة مالية عادلة ومتناسبة” في تكاليف الاقتراض الأوروبي، بما يتناسب مع قيمة العقود التي تفوز بها.

ويشترط البند أيضًا أن تكون لهذه الدولة شراكة أمنية ودفاعية مع الاتحاد، وأن تثبت تقديمها دعمًا ماليًا وعسكريًا كبيرًا لأوكرانيا.

لكن المشاركة البريطانية تتطلب مفاوضات إضافية بين الدول الأعضاء لتحديد آليات الإشراك، بما في ذلك الاتفاق على قائمة المنتجات القابلة للشراء من الموردين البريطانيين.

ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي أوروبي قوله إن “من المنطقي مطالبة المملكة المتحدة بالمشاركة في سداد الفوائد بشكل متناسب مع العقود التي تحصدها شركاتها، وإلا سيجد دافعو الضرائب الأوروبيون أنفسهم يدعمون الصناعة البريطانية”.

ولم تُحدد بعد قيمة المساهمة البريطانية “العادلة”، وهو ما يراه البعض محاولة متعمدة لتجنب التركيز المكثف على الأرقام المالية، بينما يرى آخرون أنه من المستحيل اقتراح مساهمة دون معرفة حجم المشاركة البريطانية المحتمل.

الموقف البريطاني وإعادة التقارب الدفاعي

أكد متحدث باسم الحكومة البريطانية، وفق ما نقلته “ذا جارديان”، أن المملكة المتحدة التزمت حتى الآن بتقديم 21.8 مليار جنيه إسترليني دعمًا لأوكرانيا عبر المساعدات العسكرية والمالية، مشددًا على أن “دعمنا لأوكرانيا ثابت لا يتزعزع”، وأن لندن تواصل العمل مع شركاء مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي لضمان قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها.

يكتسب هذا القرار أهمية خاصة في ضوء إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر رغبته في إعادة فتح المحادثات مع الاتحاد الأوروبي بشأن ميثاق دفاعي مشترك.

وأشارت الصحيفة إلى أن مفاوضات انضمام المملكة المتحدة إلى برنامج الاتحاد الأوروبي “العمل الأمني من أجل أوروبا” بقيمة 150 مليار يورو انهارت العام الماضي، ما يجعل من قرض أوكرانيا فرصة أكثر إلحاحًا وواقعية لإعادة التقارب الدفاعي بين الطرفين.

يُذكر أن المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وقّعا شراكة أمنية ودفاعية في مايو الماضي، ضمن مساعي إعادة ضبط العلاقات.

اتُخذ القرار النهائي بموجب إجراء استثنائي شمل 24 دولة من أصل 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، بعد أن امتنعت المجر والتشيك وسلوفاكيا عن تأييد الخطة، لكنها وافقت على عدم عرقلتها، ويحتاج القرض الآن إلى موافقة البرلمان الأوروبي، على أن يتم صرف الدفعة الأولى ابتداءً من أبريل المقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *