مؤتمر نيويورك.. لحظة مفصلية على طريق الدولة الفلسطينية

في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك، شهد العالم حدثًا استثنائيًا حمل معه زخمًا سياسيًا قد يغيّر وجه المنطقة. مؤتمر حل الدولتين أفضى إلى اعتماد “إعلان نيويورك” الذي حظي بتأييد استثنائي من الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكّدًا أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة باتت في قلب أي عملية سلام حقيقية.

البيان الختامي شدّد على أولويات عاجلة: إنهاء الحرب في غزة، الإفراج عن الرهائن وتبادل الأسرى، ودعم بعثة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار بناءً على تفويض من مجلس الأمن وبطلب من السلطة الفلسطينية.كما أشار إلى أهمية توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة تحت مظلة السلطة الفلسطينية، مشيدًا بالإصلاحات التي باشرت السلطة بتنفيذها.

لكن ما جعل المؤتمر أكثر رمزية، كان إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، محذرًا من أن استمرار السياسات الإسرائيلية الحالية قد يجعل السلام في الشرق الأوسط بعيد المنال لسنوات طويلة.

المصالح الدولية والعربية تلتقي على “المنطقة العازلة”

قدّم عضو المجلس الثوري لحركة فتح والمتحدث باسم الحركة جمال نزال، خلال حديثه إلى “الظهيرة” على سكاي نيوز عربية قراءة شاملة تعكس رؤية فلسطينية ترى في مؤتمر نيويورك نقطة التقاء غير مسبوقة بين المصالح العربية والدولية من جهة، والمشروع الوطني الفلسطيني من جهة أخرى.

إسرائيل الكبرى.. تهديد عالمي

نزال شدّد على أن بريطانيا وفرنسا، ومعهما دول عربية، صنفت المساعي الإسرائيلية لإقامة “إسرائيل الكبرى” تهديدًا للسلام العالمي ولمصالحها الاستراتيجية.

حسب وصفه، إسرائيل تمددت عسكريا من غزة إلى إيران واليمن وسوريا ولبنان، وتسعى للسيطرة على مصادر الطاقة والطرق القارية، ما يجعلها مرشحة للتحول إلى قوة عظمى تفرض نفسها بالقوة.

الدول العربية، وفق نزال، رفعت “البطاقة الحمراء” في وجه هذه التوجهات، وهو ما أكدته قمم عربية كقمة قطر، محذرة إسرائيل من أن الاستمرار في “الضم والتجبر” سيجعلها محرومة من أي علاقات مستقبلية مع العالم العربي، وربما يهدد حتى الاتفاقات القائمة.العودة إلى جذور الاعتراف الدولي

ذكّر نزال بأن الاعتراف العالمي بفلسطين ليس وليد اللحظة. البداية تعود إلى إعلان الاستقلال الفلسطيني في الجزائر عام 1988، حين وضعت منظمة التحرير برنامج إقامة الدولة على حدود 1967.

المرحلة الثانية كانت عام 2012 عندما نالت فلسطين صفة “دولة مراقب” في الأمم المتحدة. إعلان نيويورك اليوم يُعتبر حلقة جديدة في هذا المسار، يعيد الاعتراف بقوة إلى الواجهة ويكرّس مفهوم “فلسطين” الذي حاولت إسرائيل طمسه عبر تفتيت الشعب الفلسطيني.

معركة توحيد الصف الفلسطيني

أوضح نزال أن إسرائيل عملت على تمويل حماس وتعزيز قوتها لتقسيم الفلسطينيين ونسف الشراكة الوطنية. لكن فتح ترى أن إعادة توحيد غزة والضفة تحت مظلة السلطة الفلسطينية أمر حتمي.

ولتحقيق ذلك، يجري إعداد دستور فلسطيني مؤقت يتضمن قوانين لتشكيل الأحزاب على أساس الاعتراف بمنظمة التحرير والديمقراطية، وربما حظر الأحزاب ذات المرجعية الدينية أو الطائفية.

بهذا، يطرح نزال مشروعا سياسيا يهدف إلى إعادة بناء الشرعية الفلسطينية الداخلية بالتوازي مع الزخم الدولي.ختم نزال بالتأكيد أن على العرب أن يواجهوا ترامب بلغة واضحة: “الخط الأحمر بالعربية هو نفسه بالإنجليزية”. أي أن استمرار إسرائيل في سياسات الضم والتهجير لن يمر دون ثمن”.

وأشار إلى وحدة الموقف العربي الحالية التي وصفها بأنها أكثر انسجامًا ثقافيًا وسياسيًا من أجيال سابقة، معتبرًا أن الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على قطر كانت جرس إنذار سرّع من هذا التناغم.

واشنطن بعيدة عن روح إعلان نيويورك

من واشنطن، رسم الباحث في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية فادي حيلاني صورة مغايرة، تفضح الفجوة الكبيرة بين ما خرج به مؤتمر نيويورك وبين الرؤية الأميركية بقيادة ترامب.

بحسب حيلاني، النقطة الوحيدة التي تجمع الإدارة الأميركية مع الدول العربية والإسلامية هي ضرورة إنهاء الحرب في غزة، مع رسم مسار نحو دولة فلسطينية. لكن ما عدا ذلك، تنعدم نقاط التلاقي تقريبا.

فترامب، على عكس ما روّج له في ولايته الأولى، لم يعد يتحدث عن حل الدولتين، بل يكرر موقف نتنياهو القائل بعدم وجود مقومات لدولة فلسطينية على حدود 1967.

بل إن الإدارة الأميركية منعت الوفد الفلسطيني من المشاركة في الجمعية العامة، ما يعكس موقفا معاديا للسلطة الفلسطينية كممثل شرعي.

استعدادات غير مسبوقة لقرار تاريخي بالاعتراف بدولة فلسطين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *