“عقيدة مونرو ألمانية”.. دعوات لتعزيز نفوذ برلين في أوروبا لمواجهة المد الشعبوي

دعا عالِم السياسة الألماني تيمو لوكوكي إلى تبني ما وصفه بـ”عقيدة مونرو الألمانية”، التي تقوم على تعزيز نفوذ برلين داخل أوروبا لمواجهة صعود القوى الشعبوية والأنظمة غير الليبرالية، مستلهمًا دروس الانتخابات الأخيرة في المجر، بحسب موقع “إن تي في” الألماني.
وأوضح “لوكوكي” أن فوز السياسي المجري بيتر ماجيار على رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان يعكس تحولًا في سلوك الناخبين، إذ نجح في تجاوز ما يُعرف بـ”الحرب الثقافية” والتركيز بدلًا من ذلك على القضايا الاقتصادية اليومية مثل البنية التحتية والمعاشات والنمو الاقتصادي، وهو ما ساعده على كسب ثقة الناخبين.
ويُعد “مبدأ مونرو” إحدى الركائز التاريخية للسياسة الخارجية الأمريكية، وقد أُعلن عام 1823 على لسان الرئيس جيمس مونرو، إذ نصّ على رفض أي تدخل أوروبي في شؤون دول نصف الكرة الغربي، مقابل التزام واشنطن بعدم التدخل في النزاعات الأوروبية.
ومع مرور الوقت، تحوّل المبدأ من إعلان دفاعي لحماية دول أمريكا اللاتينية حديثة الاستقلال إلى أداة سياسية لتبرير النفوذ الأمريكي والتدخل المباشر أو غير المباشر في المنطقة، لا سيما خلال القرن العشرين.
دروس انتخابية
وأشار عالِم السياسة الألماني إلى أن الاعتماد على الخطاب الثقافي والاستقطاب الحاد يمنح الأفضلية للقوى الشعبوية، بينما يؤدي تركيز الأحزاب التقليدية على هذه الملفات إلى نتائج عكسية، إذ تفشل لاحقًا في تقديم سياسات فعالة، ما يدفع الناخبين نحو بدائل أكثر تطرفًا، في الوقت نفسه شدد على أن التجربة المجرية تقدم نموذجًا لما يمكن أن تتبعه الأحزاب الأوروبية لاستعادة ثقة الجمهور.
وأضاف أن تجاهل القضايا الخلافية خلال الحملات الانتخابية، كما فعل ماجيار، لا يعد ضعفًا بل “احترافية سياسية”، إذ يمنع الوقوع في فخ الاستقطاب الذي تستفيد منه القوى الشعبوية، إلى جانب ذلك اعتبر أن هذا النهج قد يكون مفيدًا للأحزاب الألمانية، خاصة في ظل تصاعد التحديات السياسية داخليًا.
نفوذ أوروبي
واقترح “لوكوكي” أن تتبنى ألمانيا سياسة أكثر نشاطًا للتأثير في المشهد السياسي الأوروبي، مؤكدًا أن قرارات برلين الداخلية تنعكس بالفعل على دول الاتحاد الأوروبي، سواء في السياسات الاقتصادية أو الهجرة أو الطاقة، في الأثناء أوضح أن ما يسميه “العقيدة الألمانية” لا يعني تدخلًا مباشرًا، بل استخدام أدوات سياسية واقتصادية بشكل غير مباشر لإضعاف القوى السلطوية.
وتابع أن أمثلة سابقة تثبت هذا التأثير، مثل سياسات إنقاذ اليورو التي أثرت بشكل كبير على المشهد السياسي في دول مثل اليونان، إضافة إلى سياسات الهجرة التي كان لها تداعيات واسعة على الانتخابات الأوروبية، مؤكدًا أن هذا النفوذ يمكن توجيهه بشكل أكثر استراتيجية.
تهديدات خارجية
وحذّر من أن ألمانيا، باعتبارها إحدى أقوى الديمقراطيات الليبرالية، تواجه ضغوطًا متزايدة من قوى دولية مثل روسيا والصين، بل وحتى من الولايات المتحدة في بعض السياسات، ما يستدعي بناء شبكة من الحلفاء الأوروبيين الذين يتبنون القيم نفسها، وسرعان ما ربط ذلك بالحاجة إلى تعزيز “القوة الصلبة” من خلال النمو الاقتصادي وزيادة الإنفاق الدفاعي.
كما شدد على أهمية الاستعداد العسكري، معتبرًا أن الخطط الحالية قد لا تكون كافية دون إعادة النظر في قضايا مثل التجنيد الإجباري والردع النووي الأوروبي، إضافة إلى ذلك رأى أن التأثير السياسي الخارجي يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية أوسع لحماية الديمقراطية في القارة.
تحديات داخلية
ورغم ذلك، أقر لوكوكي بأن تبني مثل هذه السياسة قد يثير مخاوف داخلية، خاصة في ظل صعود أحزاب يمينية في ألمانيا، لكنه أشار إلى أن غالبية الناخبين لا تزال ترفض هذه التيارات، ما يجعل من غير المرجح وصولها إلى السلطة في المدى القريب، في الوقت نفسه اعتبر أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن بين المصالح الوطنية والتأثير الخارجي.
واختتم بالتأكيد على أن ألمانيا لم تعد قادرة على الاكتفاء بدور المتفرج، بل يتعين عليها، في ظل التحولات الجيوسياسية، أن تلعب دورًا أكثر فاعلية في حماية النظام الديمقراطي الأوروبي، حتى لو أثار ذلك تحفظات لدى بعض الدول.
بدأ حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف تكثيف استعداداته للوصول إلى السلطة في ولايتي ساكسونيا-أنهالت وميكلنبورغ-فوربومرن، مستفيدًا من تقدمه في استطلاعات الرأي، لكنه يواجه في الوقت نفسه تساؤلات داخلية بشأن جاهزيته للحكم، بحسب مجلة “دير شبيغل” الألمانية.
وأظهر الحزبان الإقليميان للحزب تقدمًا يتراوح بين 35 و40% في الاستطلاعات، ما يفتح الباب نظريًا أمام تحقيق أغلبية مطلقة في الانتخابات المحلية المقبلة، في وقت يسعى فيه مرشحاه أولريش زيجموند ولايف-إريك هولم إلى قيادة حكومتين إقليميتين، وهي سابقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بحسب “دير شبيغل”.
طموح انتخابي
ركّز قادة الحزب خلال اجتماعات داخلية في برلين على سيناريو “تولي الحكم”، حيث ناقشوا سبل كسر ما يُعرف بـ”الجدار العازل” الذي تفرضه الأحزاب الأخرى، لا سيما الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي يرفض التعاون معهم، في الوقت نفسه طرح قياديون داخل الحزب ضرورة توضيح المواقف السياسية، خصوصًا في ملفات السياسة الخارجية والهجرة.
وأكد رينيه أوست، أحد قيادات الحزب في البرلمان الأوروبي، أن الحزب يجب أن يحافظ على مواقفه دون “التخلي عنها” لكسب دعم الأحزاب الأخرى، مشددًا على أن الوضوح السياسي قد يفرض نفسه على المنافسين، إلى جانب ذلك أشار إلى وجود سوابق أوروبية شهدت تعاونًا غير مباشر بين اليمين التقليدي وأحزاب أقصى اليمين.
