الحياة السياسية: مشروع فلسفي.

بقلم /حسام عيسي

باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

في ظل بيئة دولية غير مستقرة، تتسم بالصراع القائم على مقومات القوة الذاتية للدولة، والتي تتركز عادةً في القوة العسكرية والاقتصادية؛ تبرز القوة الكامنة المتمثلة في الحياة السياسية الداخلية – خاصة في دول الناشئة – باعتبارها القوة الفارقة القادرة على تجاوز التحديات والصعوبات التي تواجه الدولة؛ ففي حين تستطيع الدول العظمى الاعتماد على قوتها العسكرية والاقتصادية للتأثير والتغلب على التحديات، تبقى الموارد الاقتصادية في العديد من دول الناشئة محدودة؛ وهنا، تظهر الحياة السياسية المستقرة والفعالة كعامل حاسم يمكنه تعويض الفجوة في التقدم العسكري والاقتصادي، عندما يكون النظام السياسي والاجتماعي متلاحمان معبران كلاهما عن الأخر، لتعزيز قوة الدولة القادرة على التصدي للضغوط الخارجية، وتُمكن الدولة من التنمية والتطور والصمود والتكيف في بيئة دولية تنافسية قائمة على القوة، .
تُعَدُّ الحياة السياسية مفهوماً فلسفياً وسياسياً مركباً، يختلف تعريفه باختلاف القيم الثقافية لكل مجتمع، كما أنها تمثل عملية ديناميكية مستمرة قائمة على التحسين والتطوير، وليست حالة ثابتة؛ وبناءً على ذلك، فإن الحياة السياسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بثقافة كل أفراد المجتمع، حيث تُشكّل الأغلبية الفاعل الرئيسي في تحقيق الحياة السياسية، فكلما ارتفع مستوى الوعي الثقافي السياسي في المجتمع، اقتربت حياته السياسية من الصورة القادرة على تعزيز قوة الدولة.
وتستند الحياة السياسية إلى ركائز أساسية يضعها المجتمع، تتمثل في الدستور والقانون، والفصل بين السلطات، ووجود رقابة صارمة وحكيمة على تطبيق القانون لتنفيذ متطلبات المجتمع، كما ترتبط جودة الحياة السياسية بمدى المشاركة السياسية الفاعلة، حيث تشير زيادة المشاركة إلى نضج المجتمع وارتفاع مستوى ثقافته، وبالتالي تحقُّق حياة سياسية أكثر قوة وتأثير.
فتمثل الحياة السياسية؛ بأنها المجال الذي تتفاعل فيه الأفراد والمجموعات والمؤسسات (الأحزاب والنقابات العامة والمهنية والجمعيات الأهلية والأعلام) داخل المجتمع لتحديد وتوزيع السلطة والموارد، واتخاذ القرارات الجماعية التي تحدد السياسات العامة للدولة، كما تشمل هذه الحياة مجموعة من الممارسات والنشاطات والعلاقات التي تحكم كيفية تنظيم المجتمع وإدارته.
وتكمن قوة الحياة السياسية في قدرتها على تنفيذ إرادة الأغلبية، مع تقبل الأقلية لإرادة الأغلبية بضمان حقوق الأقلية في إطار التوافق الوطني يحكمه الدستور، أي ترتبط الحياة السياسية بقدرتها على تنفيذ إرادة الأغلبية؛ فلا حياة سياسية بدون تنفيذ إرادة الأغلبية، بالإضافة إلى شرط رئيسي المرتكز على استقلال الدولة لفاعلية الحياة السياسية.
يُعَدُّ الفاعلون الرئيسيون في الحياة السياسية هم: الدولة ومؤسساتها السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، والأحزاب السياسية، والمجتمع المدني (النقابات العامة والمهنية، الجمعيات الأهلية، المنظمات غير الحكومية، والإعلام). ويُعتبر الدستور الإطارَ القانوني المحدِّدَ لأدوار هؤلاء الفاعلين وعلاقاتهم، ومن الجدير بالذكر أن عملية صياغة الدستور تقوم بها عادةً نخب المجتمع، بينما تقع مسؤولية إقراره والالتزام به على عاتق المواطن، وهذا التفاعل برمته – من الصياغة إلى التنفيذ – يعكس في جوهره ثقافة المجتمع السائدة، التي تُحدِّد بدورها مدى قوة الحياة السياسية وفاعليتها.
إن المحرك الأساسي والأقوى للدول، والفاعل الحقيقي الذي يحدد مسارها، يكمن في عمق الثقافة السياسية السائدة داخل المجتمع؛ فالثقافة الفكرية والوعي الجمعي لأفراد المجتمع يشكلان قوةً حاكمةً تتجاوز في تأثيرها أي نظام سياسي رسمي سواء كان دكتاتوريا أو ديمقراطيا، بل إنها العامل الحاسم في تحديد طبيعة النظام السياسي، كما أن الحياة السياسية القائمة على قوة الأدراك والمعرفة للثقافة السياسية، التي ينبغي على الفرد إدراك الثقافة السياسية التي تتمثل في عدد من المحاور هي:


المحور الأول: لإدراك الكامل للبنود الدستورية المتعلقة بالنظام السياسي؛ من حيث:

  1. طبيعة الحكم، وعلاقة الحاكم بالسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
  2. الأسس التي تقوم عليها الحياة السياسية وآليات التفاعل السياسي، بما في ذلك: تشكيل الأحزاب السياسية وتفاعلاتها مع المجتمع والنظام السياسي.
  3. الأسس التي تقوم عليها أعمدة المجتمع المدني، ممثلة في: الأحزاب – النقابات – الجمعيات الأهلية – المنظمات غير الحكومية – وسائل الإعلام.
    المحور الثاني: الإدراك الكامل لمقومات الدولة وسياقها الإستراتيجي ويتضمن هذا المحور:
  4. الإدراك الشامل لإمكانات الدولة: من الموارد والطاقات المادية والقوة الجغرافية والبشرية، وآليات استغلالها وتوظيفها لتحقيق تعزيز قوة الدولة وتعظيم قدراتها.
  5. فهم استراتيجيات تحديد الأولويات الوطنية: حيث تتربع أولوية بقاء الدولة وأمنها على قمة هذه الأولويات، ثم يأتي العمل على استقرار الدولة خاصة الاستقرار السياسي، ثم العمل على التنمية لجميع قطاعات الدولة.
  6. الوعي بطبيعة البيئة الخارجية من خلال: الإدراك الواقعي لطبيعة العلاقات الدولية – فهم التحديات والضغوط التي تفرضها البيئة الإقليمية والدولية على الدولة وكيفية التفاعل مع تلك التحديات.
    المحور الثالث: التواصل المجتمعي وبناء التوافق يركز هذا المحور على:
  7. القدرة على الحوار المجتمعي الشامل: والتي تتيح فهم احتياجات وتطلعات مختلف فئات المجتمع.
  8. تبادل الرؤى وصناعة الأفكار: من خلال تفاعل دائم بين أفراد المجتمع ومؤسساته، بهدف تطوير رؤى مشتركة لكيفية إدارة شؤون الحياة العامة في مختلف المجالات.
  9. مبدأ التوافق وقبول التعددية: حيث يتم السعي نحو تحقيق أفكار ورؤى تتوافق عليها الأغلبية، مع ضمان احترام حقوق الأقلية وقبولها لهذا التوافق في إطار المصلحة العامة والمبادئ الدستورية.
    المحور الرابع: الدور الاستراتيجي للنخب السياسية لتحقيق الربط بين المصلحتين المجتمعية والوطنية.
    يرتكز هذا المحور على مسؤولية النخب السياسية عبر مستويات المجتمع المختلفة، ويتجلى في:
  10. الوعي الاستراتيجي الشامل: القائم على الإدراك التام لاستراتيجيات أولويات الدولة المشتقة من التحديات والضغوط التي يفرضها المحيط الإقليمي والدولي – المعرفة الدقيقة بالإمكانات والموارد المتاحة للدولة – الفهم العميق للمصلحة القومية للدولة؛ التي تحدد تفاعلاتها الداخلية والخارجية.
  11. وظيفة التوفيق والتكامل: حيث يكمن دور النخب الأساسي في صياغة وتنفيذ سياسات تحقق التكامل والربط بين المستويين المجتمعي والوطني، وذلك من خلال تحديد أولويات المجتمع وترتيبها بما يتواءم مع الاستراتيجيات الشاملة للدولة ومصالحها، بحيث تكون مصالح المجتمع داعمة لمصلحة الدولة؛ على أن يتم إعلاء مصلحة الدولة على مصلحة الفرد.
  12. التفاعل المجتمعي وتشكيل الثقافة: ينبغي على الفرد أن يثقف نفسه ويُحَكِّمَ آراءه، ثم ينشر تلك الأفكار ويتبادلها داخل المجتمع، ساعيًا إلى إيجاد سبل لتحقيق ذلك، تستمر هذه العملية حتى تستقر أغلبية المجتمع على أفكار متفق عليها من أكثرية المجتمع، شريطة أن تكون هذه الأفكار مقبولةً من الأقلية – في عملية يُطلق عليها “الثقافة السياسية الثلاثية” (تثقيف الفرد، تأييد الأغلبية، قبول الأقلية).
    بناء على ما سبق:
     إن البيئة الدولية قائمة على صراع القوة الذاتية لكل دولة.
     تُفرض البيئة الدولية على الدول الناشئة توجهاتها السياسية.
     إن القوة القطبية قادرة أن تتصدى للضغوط الدولية بقوتها الاقتصادية والعسكرية.
     إن الدول الناشئة عليها أن تعتمد على قوة الحياة السياسية لتعظيم قوة الدولة.
     إن قوة الحياة السياسية تأتي من قوة الثقافة السياسية لجميع أفراد المجتمع.
     أعمدة الثقافة السياسية التي يجب أدراكها كل أفراد المجتمع:
    -الإدراك الدستوري – الإدراك الاستراتيجي لأولويات للدولة – التواصل المجتمعي وبناء التوافق –
    دور النخب السياسية في أن تُكون مصلحة الفرد من خلال مصلحة الدولة.
     لماذا الحياة السياسي هي القادرة على تعزيز قوة الدولة؟

    1) أن الحياة السياسية واجبة على الدول الناشئة التي تفتقد إلى القوة العسكرية والاقتصادية؛ لذا تصبح الحياة السياسية الفعالة بديلا استراتيجياً يعزز قوة الدولة، ويزيد من قدرتها على التكيف مع الضغوط الخارجية، حيث إن الحياة السياسية الفعالة تُترجم الإرادة الجماعية إلى سياسات فعّالة، وتخلق دولة بنظام سياسي من قلب النظام الاجتماعي يحميه ويؤيد النظام السياسي ويدافع عنة، لأنه معبر عن القوة الفكرية الاجتماعية وطموحاته.
    2) عندما تكون الحياة السياسية قائمة على المشاركة والتوافق، فإنها تُحدث تماسكاً وتجانس وطنياً، هذا التماسك يجعل الدولة أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية،
    3) إن الحياة السياسية هي الآلية التي يتم من خلالها يتم تحديد الأولويات الوطنية، توزيع الموارد، اتخاذ القرارات الجماعية، عندما تُنفَّذ إرادة الأغلبية مع ضمان حقوق الأقلية، تزداد شرعية النظام السياسي وقدرته على التنفيذ، ومن خلال الحوار المجتمعي والتوافق، تُحدد الأولويات الوطنية (كالأمن، الاستقرار، التنمية)، فيكون النظام السياسي ما هو إلا منفذ لجموع أفراد المجتمع.
    4) كما يعكس مستوى الوعي السياسي والثقافي للمجتمع على الثقافة السياسية المتجذرة التي تُنتج مواطنين فاعلين، ونخباً مسؤولة، وقرارات أكثر حكمة، وتمكن الدولة من صياغة استراتيجيات قادرة على تنفيذها،
    5) كما تساعد الحياة السياسية الناضجة والواعية على مواءمة المصالح الفردية مع المصالح الوطنية، مما يعزز التوجه الاستراتيجي للدولة، مما يؤدي إلى تعزيز القدرة على التفاعل القوي مع البيئة الدولية الذي يحقق مصالح الدولة.
    6) كما أن الدولة ذات الحياة السياسية الواعية تكون أكثر قدرة على فهم التحديات الخارجية، واتخاذ قرارات مستقلة، وبناء تحالفات استراتيجية، وحماية مصالحها الوطنية في الساحة الدولية.
    7) لذلك تمثل الحياة السياسية القوة الفكرية والقوة الناعمة والدائمة التي تبني الدولة من الداخل، وتجعلها قادرة على التعويض عن أي نقص بالدولة سواء عسكري أو اقتصادي، حيث يتم تحويل التنوع المجتمعي إلى قوة توافقية قادرة على اتخاذ قرارات جماعية رشيدة مؤيدة من الأكثرية وراضي عنها الأقلية، مما يجعل الدولة قادرة على الصمود في وجه التحديات الداخلية والخارجية.
    8) وهكذا، تكون الحياة السياسية الفاعلة هي المحرك الأساسي لقوة الدولة الشاملة، خاصة في عالم يعتمد على التنافس والصراع، حيث القوة الداخلية المتماسكة غالباً ما تكون أقوى من القوة الخارجية المفروضة.
    من خلال السرد السابق يوضح أهمية الحياة السياسية التي تتمثل في الاتي:
    أولاً: الحياة السياسية هي الإطار الذي يدمج الإرادة الجماعية للأمة.
    ثانياً: الحياة السياسية الفاعلة تعزز الشرعية السياسية.
    ثالثاً: من خلال الحياة السياسية، تُدار الموارد والطاقات الوطنية بكفاءة أعلى.
    رابعاً: الحياة السياسية الناضجة تُنتج نخباً سياسية قادرة على الربط بين المصلحة الوطنية والمصالح المجتمعية ومصلحة الفرد.
    خامساً: الحياة السياسية تُعد مدرسة وطنية لتعزيز الوعي الاستراتيجي وتحقق الولاء والانتماء للوطن.
    سادساً: الدولة التي تتمتع بحياة سياسية مستقرة وفاعلة تكون أكثر جاذبية للاستثمار في البيئة الدولية.
    سابعاً: الحياة السياسية هي الضمانة لاستمرارية الدولة وتطورها وضمان بقائها قوية.
    مما سبق يتضح أن الربط بين قوة الحياة السياسية وقوة الثقافة السياسية للمجتمع، يؤكدان على أن بناء الدولة القوية يبدأ من بناء الإنسان الواعي، الذي يوجد مجتمع مشارك سياسياً، ويوجد نظام سياسي عادل الذي يجمع بين شرعية الحكم وكفاءة الأداء، وهذا يتوافق مع القاعدة الشرعية والقانونية التي تقوم عليها الدولة العادلة، والتي هي أساس القوة والقادرة على تحقيق طموحات مجتمعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *