أمن الطاقة للأثرياء.. الدول الكبرى تستحوذ على إمدادات النفط

جاءت الحرب في الشرق الأوسط، وما تلاها من ارتفاع ضخم بأسعار الطاقة العالمية، لتُظهر قدرة الأسواق على تحديد من يحصل على المواد المهمة، وفي الواقع، يبدو أن نوعًا أكثر فظاظة من القوة هو الذي يُحدد القدرة على الحصول على المواد الأساسية.
وكما تشير صحيفة “نيويورك تايمز”، بينما أدى النزاع إلى تقليص إمدادات النفط من الخليج العربي بشكل كبير، تسعى الدول ذات الموارد المالية الكبرى، كالصين واليابان وأوروبا والولايات المتحدة، إلى تأمين معظم احتياجاتها النفطية، مهما بلغت التكلفة.
وفيما فرضت بعض الدول الكبيرة قيودًا على الصادرات للحفاظ على ما لديها، أدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار في كل مكان. وفي الوقت نفسه، يهدد هذا النقص الدول الفقيرة في آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأمريكا اللاتينية.
وسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى الحد من الاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن حربه من خلال الإفراج عن ملايين البراميل من الاحتياطي البترولي الإستراتيجي، واتبعت اليابان نهجًا مماثلًا، لكن أسهم مستوردو الطاقة الأوروبيون في رفع الأسعار العالمية، من خلال تقديم عروض أسعار أعلى من منافسيهم المتعثرين في آسيا لشراء وقود الطائرات ومنتجات أخرى.
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن بعض الاقتصاديين وصفهم هذا الأمر بأنه “اكتناز”، أو كما وصفت إيزابيلا ويبر، الخبيرة الاقتصادية في جامعة ماساتشوستس، فإن “السوق ليس آلية توزيع متناغمة، بل ينتهي به الأمر إلى أن يكون قانون الغاب”.
خوف كبير
للمرة الثانية، يواجه العالم حقيقة أن الخوف من الندرة قد يتحول إلى نبوءة تتحقق ذاتيًا. فارتفاع أسعار السلع الأساسية كالنفط والغاز الطبيعي يتفاقم بفعل حلقة مفرغة من القلق والشراء المحموم. وبينما تسعى الحكومات الوطنية لحماية اقتصاداتها من نفاد السلع الحيوية، فإن مشترياتها تعزز الدافع لدى الآخرين لحجز الإمدادات.
وتجلّت هذه الحقيقة على مدى عقود من خلال الصدمات التي عصفت بإمدادات الغذاء العالمية. وتكرر سيناريو مشابه خلال جائحة كوفيد-19، إذ حظرت الدول تصدير معدات الوقاية الشخصية وتنافست على جرعات محدودة من اللقاحات المنقذة للحياة، والآن، يبدو أن الديناميكية نفسها تدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع في جميع أنحاء العالم، ما أدى إلى نقص في غاز الطهي بالهند ووقود الطائرات في جنوب شرق آسيا.
الأسبوع الماضي، حث صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية، الدول بشكل مشترك على عدم تكديس مخزونات الطاقة أو حظر الصادرات، مُحذرين من أن مثل هذه الإجراءات ستؤدي إلى تفاقم الوضع العالمي، وجاء هذا التحذير بعد أن أوقفت الصين وتايلاند صادرات وقود الطائرات، سعيًا منهما لضمان وجود مخزونات كافية في الداخل.
بالنسبة لتايلاند، يُمثل أي اضطراب في قطاع الطيران خطرًا على صناعة السياحة الأساسية للبلاد. وبدأت المخاوف بشأن نفاد الطاقة تتحول إلى واقع ملموس، فبعد أن حددت الحكومة سقفًا لارتفاع أسعار الديزل، توافد السائقون بأعداد كبيرة على محطات الوقود في موجة شراء مذعورة، ثم استعدت السلطات لتقنين الوقود.
لكن تأثير حظر صادرات وقود الطائرات أدى إلى انتشار المعاناة في أماكن أخرى بالمنطقة، ما تسبب في نقص لدى الدول المستوردة مثل فيتنام وميانمار وباكستان.
كما حذّرت شركات الطيران الكبرى في أوروبا من خطر نفاد الوقود، إذ تعتمد القارة على موردي الخليج العربي في ثلاثة أرباع وقود الطائرات، الذي يمر الجزء الأكبر منه عبر مضيق هرمز.
وأشارت مجموعة “لوفتهانزا”، أمس الثلاثاء، إلى مضاعفة الأسعار، مشيرة إلى أنها ستخفض 20 ألف رحلة جوية حتى نهاية أكتوبر.
طوارئ آسيوية
ورغم أن الحكومة الصينية زادت في السنوات الأخيرة من مخزونها الهائل من النفط والغاز الطبيعي، كما أصبحت رائدة عالميًا في توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لكنها مع ذلك لا تزال تستورد نحو 13% من نفطها من إيران، ما يجعل الحرب مصدر قلق بالغ في بكين.
ومنذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب، نهاية فبراير الماضي، سعت الصين إلى استبدال شحنات النفط التي عرقلها الصراع بزيادة مشترياتها من روسيا والبرازيل.
وبشكل عام، انخفضت واردات الصين من النفط الخام بنحو 10% العام الجاري، مقارنةً بعام 2025، لكن قدرة الصين الفريدة على تخزين النفط تقلل بشكل كبير من خطر نفاد المخزون.
وتفتقر الاقتصادات الأصغر إلى هذه القدرة، ما يضعها في وضع غير مواتٍ بشكل واضح.
كما أعلنت الفلبين، التي تستورد 90% من نفطها من الخليج العربي، حالة الطوارئ الوطنية، مارس الماضي، في ظل الارتفاع الحاد بأسعار البنزين. وسعى الرئيس فرديناند ماركوس الابن إلى تخفيف الضغط، من خلال تقديم دعم مالي لسائقي الدراجات النارية ثلاثية العجلات وسيارات “الجيبني”، وهي وسيلة نقل شائعة، كما أوقفت الحكومة تحصيل ضرائب الوقود على غاز البترول المسال، مصدر رئيسي لوقود الطهي في المناطق الحضرية.
وفي الهند، التي تعتمد بشكل كبير أيضًا على غاز البترول المُسال للطهي، تقوم السلطات بمداهمة الشركات المتهمة بتخزين الأسطوانات، ما يؤدي إلى تفاقم النقص.
